محمد سعيد رمضان البوطي
208
فقه السيرة ( البوطي )
والسلام وأمر بقطع نخيلهم وإتلافها « 1 » . فنادوه : يا محمد ، قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من يصنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ وقد أنزل اللّه تعالى في ذلك قوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) [ الحشر : 5 ] . فعرضوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة كما أراد . . ولكنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا أقبله اليوم إلا على أن تخرجوا بدمائكم فقط وليس لكم من أموالكم إلا ما حملته الإبل ، عدا الحلقة » - أي السلاح - . فنزل اليهود على ذلك ، واحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل ، قال ابن هشام : فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه - أي عتبته - فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ، وتفرقوا ما بين خيبر والشام ولم يسلم منهم إلا رجلان : يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش ، وأبو سعد بن وهب ، فأحرزا أموالهما « 2 » . وقسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأموال على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا اثنين من الأنصار أعطاهما لما ذكر له من فقرهما وهما : سهل بن حنيف وأبو دجانة - سماك بن خرشة - . وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وذكر البلاذري في « فتوح البلدان » أنه كان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة ، وما فضل جعله في الكراع والسلاح « 3 » . ونزل في بني النضير سورة الحشر بأكملها ، ونزل تعليقا على سياسته صلى اللّه عليه وسلم في تقسيم أموال بني النضير قوله تعالى : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 7 ) [ الحشر : 6 و 7 ] . العبر والعظات : وهذه صورة ثانية من طبيعة الغدر والخيانة المتأصلة في نفوس اليهود ، وقد رأينا من قبلها صورة أخرى من خيانتهم فيما أقدم عليه يهود بني قينقاع ، وتلك حقيقة تاريخية
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) انظر طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وتفسير ابن كثير عند تفسير سورة الحشر . ( 3 ) عيون الأثر : 2 / 51 .